Home » ICAN Featured » مكافحة التطرف في العراق: أفق جديد للسلام

مكافحة التطرف في العراق: أفق جديد للسلام

مدينة البصرة في جنوب العراق، المدينة التي تضررت طويلا من الحرب وقلة الاستثمارات، تواجه تهديدات متزايدة بسبب خطاب الكراهية والتطرف وتآكل الثقة بين المواطنين والمؤسسات. وغالبا ما يقع الشباب -وخاصة الشابات- في قلب هذه التوترات، في عالم تتقاطع فيه المضايقات والتحرش الالكتروني مع الواقع.

وفي مثل هذه البيئة، تتبنى جمعية الفردوس العراقية (الفردوس) نهجا جديدا تجاه بناء السلام من خلال مشروعها – الأفق: تعزيز السلام المجتمعي – الذي يدعمه صندوق السلام الابتكاري التابع لآيكان، ووزارة الخارجية البريطانية، الذي يجمع الشباب وقوات الأمن المحلية والأطراف الفاعلة في المجتمع المدني للتصدي للتطرف العنيف من خلال الحوار، والتعليم، والعمل المجتمعي.

بناء السلام بطابع محلي في سياق وطني

مازالت التوترات بين المجتمعات المحلية وقوات الأمن في البصرة مرتفعة، حيث يشعر الشباب من المناطق المهمشة بأنهم معزولون ومفتقرون إلى التمكين في الأمور ذات الصلة بالسلم والأمن المجتمعيين. ولطالما أثرت نهج التصدي لخطاب الكراهية والتطرف العنيف سلبا على العلاقة بين الشرطة والمجتمعات، مما زاد من انعدام الثقة بين الجانبين. وفي الوقت نفسه، تواجه الفتيات والنساء تهديدات متزايدة في الفضاء السيبراني، وازدياد المضايقات والتحرش، والعنف القائم على النوع الاجتماعي – وهي كلها تزيد من هشاشتهن وضعفهن في مواجهة تأثير التطرف والإقصاء المجتمعي.

وفي حين أن العراق قد تبني استراتيجية وطنية لمناهضة التطرف العنيف وخطة عمل وطنية لتطبيق قرار مجلس الأمن 1325 بشأن المرأة والسلام والأمن، غالبا ما يصعب على هذه السياسات كسب أرضية على المستوى المحلي.

واعترافا بالمخاطر المتنامية للعنف والتطرف السيبرانيين، سعت جمعية الفردوس لرأب الفجوة بين السياسة الوطنية والعمل المحلي عن طريق تجذير أطر العمل الوطنية في الواقع على المستوى الشعبي – بدءا بالشرطة المجتمعية وإشراك الشباب.

نموذج جديد لمشاركة المجتمع المحلي

بدأ مشروع الأفق في مايو/أيار 2024 بالعمل مع الحكومة والأطراف الأمنية من أجل تحسين العلاقة بين المجتمع المحلي وقوات الأمن كجزء هام من تعزيز السلام المستدام والأمن الشامل للجميع. ودربت الفردوس عشرين من ضباط الشرطة المجتمعية، ووحدات حماية الأسرة، وأقسام شؤون المرأة على استراتيجيات العراق الوطنية لمناهضة التطرف، وخطة العمل الوطنية المعنية بقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1325، وعلى دليل جديد لمناهضة خطاب الكراهية أعدته الفردوس بدعم من آيكان. وقد شدد التدريب على الحوار التشاركي والفهم المتبادل بهدف إعادة تأطير دور قوات الأمن كحماة للمجتمع وجهة تعاون وليست مجرد جهات إنفاذ.

لم تخل العملية من التحديات، فقد قوبلت المناقشات المبكرة بشأن خطاب الكراهية والنوع الاجتماعي والتطرف بمقاومة من قبل بعض الضباط، مما عكس عدم الارتياح على نطاق أوسع تجاه التصدي بشكل مفتوح لقضايا النوع الاجتماعي. وقد استجابت الفردوس بالتنظيم الحذر لتتابع مراحل – فبدأت بحساسية النزاع ومكافحة خطاب الكراهية قبل عرض أسس ومبادئ المرأة والسلام والأمن. هذا النهج التدريجي ساعد على إتاحة مساحة من الحوار وسمح بمعالجة قضايا النوع الاجتماعي الحساسة بصورة أكثر انفتاحا مع الوقت.

ثم عمل الضباط مع الفردوس بعد التدريب على التطوير المشترك لخطة العمل المحلية الأولى لمناهضة خطاب الكراهية والتطرف العنيف. هذه الخطة التي اعتمدتها البلدية والتي مثلت إنجازا نادرا: حصول استراتيجية على المستوى الشعبي على الطابع المؤسسي من خلال اعتماد الحكومة المحلية الرسمي لها.

ولقياس مدى استيعاب هذه الاستراتيجيات، قامت الفردوس بتدريب مجموعة من الباحثين الميدانيين للتواصل مع 215 من الضباط المحليين وأفراد المجتمع. وأظهرت البيانات التي تم جمعها معلومات عن فهم ضباط الشرطة للقرار 1325 وخطاب الكراهية مما ساعد على تحديد الفجوات التي تتطلب المزيد من التدريب وتبادل المعرفة.

وفي بداية عام 2025، تحول انتباه المشروع نحو شباب البصرة، حيث دربت الفردوس 25 من الشباب الناشطين وحديثي العهد بالمجتمع المدني على أسباب التطرف وأثره، والتواصل اللاعنفي، وسلامة المجتمع، وتسوية النزاعات. وتشكلت ثلاث لجان محلية من هذه المجموعة ألقى على عاتقها تنفيذ المبادرات العامة والتصدي للتحديات المجتمعية المحددة، وبناء الجسور لتقليص الهوة بين الشرطة والسكان المحليين.

“ثقة الناس تكتسب عندما تعمل داخل المجتمع، حينئذ تجد المجتمع يضع ثقة كبيرة فيك.” – فاطمة البهادلي، مؤسسة جمعية الفردوس

من الحوار إلى العمل: ثلاث مبادرات يقودها الشباب

انطلقت المبادرة الأولى في مدرسة البتول بالحسين واستهدفت مراهقات كانت كثيرات منهن يعانين من الابتزاز الالكتروني أو كن شاهدات عليه. وبالشراكة مع الشرطة المجتمعية، تم تنظيم عرض يهدف إلى رفع الوعي بالتهديدات الرقمية والخط الساخن المتاح لتقديم الدعم. وعرضت إحدى الطالبات تجربتها الشخصية مع الابتزاز الالكتروني والعاطفي، مما أثار نقاشا جماعيا قويا وساعد الأخريات على التعرف على أشكال الإساءة العاطفية والنفسية. واختتمت المبادرة بزيارة رمضانية إلى دار محلية لرعاية المسنين. هذه الزيارة لم تكن فرصة لتفاعل الشرطة والشباب مع المجتمع بطريقة أكدت على التعاطف والإنسانية المشتركة والرعاية الجماعية فحسب، بل أظهرت نهج قائم على الثقة والترابط لتعزيز سلامة المجتمع.

أما المبادرة الثانية، فقد استضافتها مدرسة الزهراء المتوسطة للبنات حيث هزت صدمة انتحار إحدى الطالبات المجتمع بعنف. وقد ركزت جلسة الحوار، التي جمعت خمسين شخصا بين أولياء أمور وضباط شرطة ومعلمين، على دور التواصل الأسري في الوقاية من الأفكار المتطرفة ودعم الصحة النفسية للمراهقات/ين. وناقش الحضور استراتيجيات الدعم النفسي، وتعلموا كيفية تعزيز بيئات أسرية ومنزلية آمنة، كما استكشفوا سبل مواجهة الضغوط النفسية التي تتعرض لها الفتيات. وقد اعترف العديد من أولياء الأمور بأن هذه كانت أول مرة يفكرون فيها بعمق في أثر الحوار المفتوح مع بناتهم.

“عندما كانت تصل منظمتنا حالات محددة للعنف ضد النساء والفتيات كنا نعمل معهن مباشرة، وقدمنا جلسات توعية للفتيات في القرى، وجمعناهن في الأندية الرياضية والمنتديات، وكنا نقول لهن أنه مهما كانت الحياة صعبة فلا ينبغي أن تؤدي الصعوبات إلى الانتحار.” – فاطمة البهادلي، مؤسسة جمعية الفردوس

نظمت المبادرة الثالثة بمدرسة ابن سينا بحي مناوي باشا، وركزت على الحد من التنمر من خلال التواصل البناء. وقد تعرف الطلبة على الأشكال المختلفة للتنمر، بما في ذلك التنمر الالكتروني، وشاركوا في ورش عمل لتطوير مهارات دعم الضحايا، وحل النزاعات بسلام وبناء علاقات زمالة شاملة للجميع. وتلقى المعلمون والمستشارون أيضا التدريب على التعرف على حالات التنمر وكيفية التدخل، مما ضمن استدامة المتابعة والدعم على المدى الطويل.

كل هذه المبادرات كانت من تصميم وقيادة الشباب محليا وبصورة تشاركية—بدعم من ضباط أمن مدربين، وبشراكات مجتمعية. وقد اشترك في هذه المبادرات ما يزيد على ثلاثمائة شخص بصورة مباشرة، بين طلاب وأولياء أمور ومعلمين، ورجال شرطة وقادة مجتمعيين، بهدف التصدي للتحديات التي تم تصميم المشروع لمعالجتها: تصاعد خطاب الكراهية، والتطرف، وافتقاد الثقة بين المجتمعات والمؤسسات.

وعقدت الفردوس مؤتمرا ختاميا بعد هذه المبادرات جمع أعضاء لجنة الشباب وقادة المجتمع ورجال شرطة البصرة وممثلي البلدية والأطراف الفاعلة في المجتمع المدني. وناقشت المجموعة التقدم المحرز، وتبادلوا الدروس المستفادة، وحددوا الثغرات المتبقية بشأن معالجة التطرف العنيف على مستوى المجتمع.

التغيير المؤسسي المتجذر في ثقة المجتمع

بفضل مشروع الفردوس “هورايزون”، حصلت خطة العمل المحلية للبصرة لمكافحة التطرف العنيف وخطاب الكراهية على موافقة رسمية من بلدية البصرة. ولا يقتصر تأييد البلدية على تأصيل عمل الفردوس واللجان المحلية فحسب، بل يؤسس سابقة لدمج بناء السلام ذو الطابع المحلي في صياغة السياسات العامة، ويعكس نمو الثقة في المجتمع المدني كشريك أساسي في مواجهة التطرف—لا سيما في المناطق التي كانت تاريخيا مستبعدة من عملية اتخاذ القرار الرسمية.

ولا تقتصر أهمية خطة العمل المحلية على قيمتها الرمزية، بل تقدم أيضا إطارا عمليا للتنفيذ، فمن خلال تحويل قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1325 إلى إجراءات مجتمعية محددة، تربط الخطة بين الالتزامات الوطنية والواقع اليومي. وتحدد الخطة مسؤوليات كل طرف—من السلطات الحكومية والشرطة إلى منظمات المجتمع المدني والمدارس والأسر—مما يوفر خارطة طريق مشتركة للتعاون والمساءلة. وبذلك تعيد الخطة تعريف بناء السلام كمسؤولية جماعية، وليس مجرد مهمة امنية فقط.

وقد غير المشروع أيضا نظرة المجتمع نحو الشرطة، فبعد أن كان الضباط يعملون بمعزل عن المجتمع، أصبحوا الآن منفتحين على التعاون مع الشباب والمربين، كما أصبحت الأسر التي كانت تخشى قوات الأمن تنظر إليها كحليف في حماية أبنائها وبناتها.

“تمكنا من كسر حاجز الخوف بين الناس وبناء جسور الثقة بين مجتمعات كانت معزولة عن بعضها.” – فاطمة البهادلي، مؤسسة جمعية الفردوس

كان التحول ملحوظا طوال مدة المشروع، فبينما تطلبت الجلسات الأولى جهدا كبيرا لجمع المشاركات/ين، أصبح تبادل المعرفة أسهل مع ازدياد الثقة بينهم. وظهر التعلم المتبادل بين أفراد الشرطة كنفطة انطلاق فعالة بشكل خاص، حيث ساعد في تعميم النهج الجديدة وتيسير التعاون مع شركاء وشريكات المجتمع المدني. وتطور ما بدأ كتفاعل حذر إلى شراكة حقيقية، مما يمثل تغييرا لا يشمل الممارسات فحسب، بل يمتد إلى في العقلية أيضا.

تمكين النجاح من خلال الدعم المرن

لعب صندوق السلام الابتكاري التابع لآيكان دورا محوريا في نجاح مشروع “أفق”، فقد مكن الهيكل المرن للصندوق الفردوس من التكيف في الواقع، حيث طورت محتوى تدريبي جديد، وأعادت صياغة استراتيجيات التغطية، مع الاستجابة لاحتياجات المجتمع لحظة بلحظة. كما امتدت شراكة آيكان مع الفردوس لتتضمن الدعم الفني المتمثل في الرصد والتقييم، والتخطيط الاستراتيجي، وسرد القصص، مما ساعد على تعزيز قدرات الفردوس المؤسسية بالتوازي مع تحويل أثرها إلى واقع ملموس في مجتمعها المحلي.

“كنا أول منظمة محلية تعمل على بناء السلام على مستوى العراق في عام 2014، حيث استخدمت كتاب بناء السلام الذي حصلت عليه من آيكان على نطاق واسع، بالإضافة إلى الفيديوهات التي أطلقتها آيكان بشأن القرار 1325، كلها ساعدتنا بشكل كبير في الوصول إلى العديد من ضباط الشرطة والمواطنين.” فاطمة البهادلي، مؤسسة جمعية الفردوس

نموذج للمستقبل

تخطط الفردوس للمرحلة التالية من مشروع هورايزون (الأفق)، وتهدف إلى توسيع قاعدة أنشطة لجنة الشباب لتشمل أحياء ومدارس جديدة، كما تهدف إلى دمج التعليم المعني بالسلام في المناهج الرسمية، ومأسسة دعم ضحايا الابتزاز السيبراني والتنمر في المدارس من خلال مستشارين وموظفي دعم متخصصين. كما تخطط الجمعية أيضا لتكرار المشروع في محافظات أخرى في جنوب العراق – لمضاعفة أثرها مع المحافظة على مبادئ المشروع وروحه المجتمعية.

يبرهن مشروع الأفق على قوة الملكية المحلية، والقيادة الشاملة للجميع والتمويل المرن في بلد غالبا ما تفشل السياسات في الوصول إلى من يفترض أن تخدمهم. ومن خلال تحويل الحوار إلى عمل، والثقة إلى تغيير مؤسسي، تساهم الفردوس في بناء عراق أكثر سلاما وصلابة ومرونة— حيا تلو الآخر.