Home » Stories » “لقد ألغينا الصمت”: كيف تعيد لجان السلام المحلية بناء الثقة في سوريا

“لقد ألغينا الصمت”: كيف تعيد لجان السلام المحلية بناء الثقة في سوريا

بعد أكثر من عقد من الحرب، تشهد سوريا مرحلة انتقالية هشة. لقد كتب سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول من عام 2024 نهاية أكثر من 50 عاما من الحكم الاستبدادي، ولكنه لم يجلب الاستقرار الفوري. بل على العكس، يواجه البلد أزمة اقتصادية متفاقمة، وتوترات أمنية، وانتهاكات مستمرة لحقوق الإنسان، ونزوحا جماعيا، وتفككا اجتماعيا حادا.

أكثر من 16 مليون سوري يحتاجون إلى المساعدات الإنسانية، ويعيش ما يزيد على 90% من السكان تحت خط الفقر، وقد أدى النزاع إلى نزوح الملايين داخل سوريا وعبر الحدود، كما دمر البنية التحتية وسبل كسب العيش والخدمات الأساسية. ويعكس استمرار العنف وانعدام للأمن هشاشة المرحلة الانتقالية.

وقد أدت سنوات العنف والقمع والانقسام إلى تمزق عميق في العلاقات داخل المجتمعات المحلية وبينها، فقد ظهرت التوترات التي طال قمعها عبر الخطوط الطائفية والسياسية والجغرافية والاجتماعية، في حين لا تزال الصدمات النفسية التي لم تعالج والروايات المتضاربة بشأن الماضي تشكل الحياة اليومية.

وفي بعض المجتمعات المحلية، أدى التوتر بين العائدين من بلاد اللجوء والذين بقوا خلال الحرب إلى ظهور خطوط صدع جديدة؛ وفي مجتمعات أخرى، أدت الصعوبات الاقتصادية والتنافس على الموارد الشحيحة إلى تعميق انعدام الثقة. كما يحمل العديد من السوريين ذكريات غير معلنة عن العنف والاعتقال والتهجير والخسارة.

وأصبح خطاب الكراهية والاستقطاب -خاصة بين الشباب- أكثر وضوحا، إلى جانب العنف المحلي المدفوع بالرغبة في الانتقام. وفي غياب مساحات مجتمعية آمنة للتصدي لهذه القضايا، يمكن أن تتصاعد حالات سوء الفهم والشعور بالمرارة بسرعة. ومع عودة السوريين وانخراطهم في إعادة الإعمار، تطرح هذه الانقسامات سؤالا حاسما: كيف يمكن للمجتمعات أن تمضي قدما معا دون التعامل مع جراح الماضي؟

بالنسبة لـ Mobaderoon مبادرون، وهي منظمة لبناء السلام تقودها النساء وعضو في التحالف النسائي للقيادة الأمنية (وصل)، كشفت هذه الديناميكيات عن فجوة خطيرة: فالجهود الإنسانية وجهود التعافي ضرورية، لكنها غالبا ما تتجاهل الحاجة إلى إعادة بناء العلاقات ومعالجة الأبعاد الاجتماعية والعاطفية للنزاع.

كانت منظمة مبادرون على وجه الخصوص في وضع متميز للقيام بهذا العمل بفضل تمتعها بالثقة والمصداقية اللتين اكتسبتهما عبر سنوات من الاستجابة الإنسانية المتجذرة محليا. فقد نفذت المنظمة استجابات مرنة قائمة على المجتمع المحلي جمعت بين دعم حالات الطوارئ والمشاركة الاجتماعية المستدامة أثناء كل من جائحة كوفيد-19 والزلزال الذي هز تركيا وسوريا عام 2023. وأثناء الجائحة، تم تكييف 80% من برامجها لتعمل بصيغ رقمية تفاعلية، وتم تدريب أكثر من 200 من الميسرات والميسرين لمواصلة تقديم الدعم للمجتمعات وبناء القدرات عن بعد. وفي أعقاب الزلزال، حشدت منظمة مبادرون فرق الطوارئ في أنحاء حلب واللاذقية وحماة وطرطوس التي قدمت الدعم النفسي الاجتماعي ونسقت جهود الإغاثة التي قادها المجتمع مع الحفاظ على المبادرات التعليمية والمجتمعية.

وقد عززت هذه الخبرات علاقات مبادرون داخل المجتمعات ورسخت الثقة المحلية في المنظمة، مما أظهر أهمية الاستثمار في المنظمات التي تقودها المجتمعات المحلية والمتجذرة محليا والتي يمكنها الاستجابة بمرونة للأزمات مع الحفاظ على العلاقات الضرورية لبناء السلام على المدى الطويل.

وانطلاقا من هذا الأساس، أطلقت منظمة مبادرون مبادرتها “لجان السلام المحلية” بدعم من الشبكة الدولية لعمل المجتمع المدني (آيكان) من خلال صندوق السلام الابتكاري Innovative Peace Fund (IPF) ومؤسسة فيتول the Vitol Foundation.

أدركت هذه المبادرة أنه لا يمكن الفصل بين التعافي الإنساني وبناء السلام في السياقات التي عانت من النزوح والصدمات النفسية والانقسامات الاجتماعية العميقة؛ فإعادة بناء البنية التحتية والخدمات يجب أن تسير جنبا إلى جنب مع إعادة بناء الثقة والعلاقات داخل المجتمعات المحلية. وعلاوة على ذلك، استند هذا المشروع إلى فرضية أساسية مفادها أن السلام المستدام لا يمكن فرضه من أعلى، بل يجب بناؤه داخل المجتمعات المحلية من خلال الحوار وبناء الثقة والحلول التي تقودها المجتمعات المحلية وتستند إلى الواقع اليومي.

لجان السلام المحلية: من الحوار إلى العمل المحلي

لإطلاق هذه المبادرة، عملت مبادرون مع شبكتها المكونة من خبراء وخبيرات السلام، الذين عادوا مؤخرا إلى مدنهم ومسقط رأسهم، على إنشاء لجان محلية للسلام. وقد جمعت كل لجنة قادة المجتمع المحلي والشباب و”مهندسي ومهندسات السلام” المدربين/المدربات بهدف تحديد التوترات المحلية، وإعادة بناء الثقة وتطوير تدخلات مصممة خصيصا لمجتمعاتهم.

وروعي أن تكون لجان السلام المحلية متنوعة، تجمع أشخاصا من مختلف الأعمار والأجناس والخلفيات الدينية والسياسية والخبرات، بما في ذلك العائدون والمقيمون. وبفضل تمثيلها لمجتمعاتها، كانت لجان السلام في وضع أفضل لتصميم التدخلات الشاملة للجميع المتجذرة محليا والتي تتمتع بالمصداقية.

وبدلا من فرض حلول جاهزة، مكنت منظمة مبادرون المجتمعات المحلية من تحديد الأسباب الجذرية للنزاعات وأنواع الاستجابات التي من شأنها أن تكون الأكثر فعالية في سياقاتها الخاصة. ومن خلال التدريب والإرشاد والأدلة العملية والدعم الفني المستمر، طور أعضاء لجان السلام المحلية مهاراتهم في مجالات تحليل النزاعات وتيسير الحوار وتصميم المشاريع. كما تلقوا أيضا دعما عمليا فيما يتعلق بإعداد الميزانيات وكتابة المقترحات وتقييم الأثر، مما ساعد على تحويل الأفكار إلى إجراءات ملموسة.

وقد مثل الحوار في أغلب الأحوال نقطة البدء. وبالاعتماد على سنوات من بناء العلاقات عبر الخطوط الجغرافية والدينية والطائفية والسياسية، أنشأت مبادرون مساحات يمكن للناس فيها مناقشة القضايا الحساسة في أعقاب سقوط النظام. وفي مدن مثل حلب وحمص ودمشق، تأمل المشاركون في تجاربهم الحياتية، واستكشفوا مسائل الهوية والانتماء، وتبادلوا وجهات نظر تشكلت عبر سنوات من الصراع.

كشفت هذه المحادثات عن عمق الانقسامات وعن رغبة قوية في إعادة التواصل. كما ساعدت في تحديد المجتمعات المحلية التي كانت التوترات فيها في ذروتها والتي يمكن أن تحقق فيها أنشطة المشاريع الموجهة – من أنشطة للشباب والمبادرات الثقافية وصولا إلى مشاريع إعادة تأهيل المجتمعات المحلية وجهود المصالحة – أكبر تأثير ممكن.

كما ربط هذا العمل أيضا نهج مبادرون بمنهجية تعزيز الاستجابة التي تقودها المجتمعات المحلية (SCLR) التي تدعمها آيكان من خلال صندوق السلام الابتكاري في عدد من الدول المتأثرة بالنزاعات. ولا تمثل منهجية SCLR طريقة جديدة لعمل مبادرون، بل هي إطار عمل ولغة مشتركة للممارسات التي لطالما اتبعتها المنظمة: الثقة بالمجتمعات المحلية في تحديد أولوياتها الخاصة، والتكيف مع الواقع المتغير، وقيادة الاستجابات المتجذرة في العلاقات والمعرفة المحلية.

ومن خلال ربط عملها بالمجتمع الأوسع لمنهجية تعزيز الاستجابة التي تقودها المجتمعات المحلية، ساعد هذا النهج أيضا في إضفاء المزيد من الظهور والشرعية على أشكال بناء السلام التي تقودها المجتمعات المحلية، والتي غالبا ما يتم تجاهلها أو تقييدها بسبب هياكل التمويل المنعزلة. وفي الوقت نفسه، وسع عمل مبادرون نطاق فهم المنهجية في الممارسة العملية – ليس فقط كأداة للاستجابة الإنسانية، بل أيضا كنهج أكثر شمولية يمكنه دعم بناء الثقة والتماسك الاجتماعي وبناء السلام على المدى الطويل في المجتمعات التي تعاني من انقسامات عميقة.

التدخلات التي تقودها المجتمعات المحلية: مسارات عديدة نحو السلام

اتخذ عمل لجان السلام المحلية أشكالا عديدة، لكن كان يجمع بين أهداف مشتركة: تعزيز التفاهم، وتخفيف التوترات، وتقوية التماسك الاجتماعي.

في حماة، وثقت إحدى لجان السلام المحلية قصصا مجتمعية ظلت طي الكتمان لعقود بسبب الخوف والصدمات النفسية. وتبادل المشاركون والمشاركات تجاربهم الشخصية والعائلية، غالبا للمرة الأولى، محولين الصمت إلى حوار.

“لقد كسرنا حاجز الصمت ورفعنا أصواتنا بعد أربعين عاما من العنف. وفتحنا المجال لفهم أنفسنا والاستماع إلى تجارب الآخرين.” – أحد مهندسي السلام في حماة

وفي حمص، جمعت جلسات الحوار التي نظمتها إحدى لجان السلام المحلية 179 مشاركا ومشاركة من 27 حيا لتحديد التحديات المشتركة ووضع توصيات جماعية. وقد ساهمت هذه المناقشات في تعزيز العلاقات المجتمعية وفتحت قنوات اتصال جديدة مع السلطات المحلية.

“شعر الناس بالأمان لمناقشة قضاياهم. وفي الاجتماع الختامي، أدركوا أنه على الرغم من انتمائهم لأحياء مختلفة، فإنهم يتشاركون في نفس التجارب ويواجهون نفس التحديات.” – أحد مهندسو السلام في حمص

وقد بدأت إحدى النتائج الملموسة في حمص بمشكلة أمنية مشتركة: كانت هناك حفرة كبيرة على طريق سريع تسببت في وقوع حوادث متكررة. وبدلا من إثارة القضية بشكل فردي – أو تركها دون معالجة – حشد السكان الموارد المحلية والمتطوعين لإصلاحها. هذا الإجراء قلل من الخطر المباشر وعكس تحولا أوسع نطاقا نحو المسؤولية المشتركة والفاعلية المحلية.

وفي اللاذقية، حيث كانت التوترات مرتفعة بشكل خاص، استخدم أعضاء وعضوات لجنة السلام المحلية الطعام كأداة للتواصل، حيث قامت نساء من خلفيات متنوعة بطهي الوجبات وتقاسمها، مما خلق مساحات غير رسمية يمكن أن يتطور فيها الحوار بشكل طبيعي ويتم تحدي الصور النمطية. وقد زار معرض الطعام 170 شخصا.

“استضاف سكان مناطق النزاع بعضهم بعضا وتقاسموا وجبات الطعام في لفتة قوية تعبر عن الثقة والمصالحة.” أحد مهندسي السلام في اللاذقية

وركزت لجنة أخرى على الشباب، إدراكا منها لتعرضهم للاستقطاب وقدرتهم على تغيير هذا الوضع. ففي مدينة مصيف، أتاحت جلسات الحوار والمسرح التفاعلي التي نظمتها لجنة السلام المحلية للشباب من مختلف الخلفيات مساحة آمنة كي يعيدوا النظر في الروايات الموروثة، ويبنوا الثقة، ويكونوا روابط ذات مغزى. وقد توج هذا العمل بعرض مسرحي حضره جمهور كبير، خرج منه المشاركون والمشاركات باقتراح تشكيل فرقة دائمة للمسرح التفاعلي – علامة مهمة تعكس انتقال المبادرة إلى ملكية مجتمعية راسخة.

“أصبح المسرح التفاعلي مساحة يعبر فيها المراهقون والمراهقات عن قضايا لم يكن لديهم منبر لمشاركتها فيه من قبل. وكانت الفكرة من اقتراحهم هم.” مهندس(ة) سلام في مدينة مصيف

وتتمكن لجان السلام المحلية من التكيف باستمرار في البيئة السريعة التغير، حيث تعدل أنشطتها تبعا لتطور الأوضاع الأمنية وتعيد تصميم المبادرات لتلبي الاحتياجات الناشئة.

ففي جرمانا، عدلت لجنة السلام المحلية خططا كانت أعدتها لعقد ورش عمل بشأن المواطنة إلى تقديم الدعم النفسي الاجتماعي والمساعدات العملية عند وصول الطلاب النازحين من السويداء. وفي المزة، تطورت خطط عقد حوار يركز على الصدمات النفسية بين مجتمعين طائفيين إلى إعادة تأهيل حديقة محايدة – مما أدى إلى خلق مساحة مشتركة شجعت على التفاعل اليومي والتعايش.

إعادة بناء الثقة، محادثة تلو الأخرى

عملت لجان السلام المحلية في جوهرها على إعادة بناء الثقة تدريجيا – محادثة وعلاقة ومبادرة تلو الأخرى – بينما كانت تعمل في نفس الوقت في بيئة تتسم بالتغيير المستمر وبالهشاشة معظم الوقت.

وأفاد المشاركون أن ثقتهم في التعبير عن آرائهم ازدادت، وشهدت المجتمعات المحلية مزيدا من التماسك والتعاون. وفي بعض الحالات، ترجم الحوار مباشرة إلى عمل جماعي، حيث تصدى السكان للتحديات المشتركة دون انتظار لدعم خارجي.

كما أكدت المبادرة أيضا على أن التقدم اعتمد بشكل كبير على الظروف المحلية. فقد تباينت مستويات الثقة تباينا كبيرا، حيث تطلبت مناطق مثل اللاذقية وقتا أطول بكثير لبناء الثقة. وكثيرا ما ظهرت روايات تاريخية مثيرة للجدل الشديد – لا سيما بين سكان المناطق التي كانت خاضعة سابقا لسيطرة النظام وسكان شمال غرب سوريا – مما سلط الضوء على الحاجة إلى التيسير الدقيق والحذر، والصبر والمشاركة المستمرة.

ومن خلال الاعتماد على ما أطلق عليه بناة السلام “القوة الناعمة” – التي تضمنت الحوار، والثقافة والتعبير الإبداعي – تمكنت اللجان من معالجة التوترات التي غالبا ما يتم تجاهلها عندما تركز المشاريع فقط على النتائج المرئية. وقد ساهمت رواية القصص والطعام والفن والمسرح في إنشاء مساحات أكثر أمانا لإظهار المظالم وتحدي الصور النمطية والبدء في إعادة الثقة، مما أرسى الأساس لتحقيق أثر طويل الأمد.

كما تطلب هذا العمل من مهندسي ومهندسات السلام مواجهة تحيزاتهم الخاصة، والسرديات الموروثة والتوترات الداخلية. ورغم أن التمويل غالبا ما يكون غير كاف، إلا أن هذا العمل العلائقي والداخلي يمثل أساسا لبناء سلام موثوق ودائم.

والأهم من كل ذلك، فإن المبادرة عززت مفهوم عدم اقتصار السلام على نتيجة نهائية مفردة، بل هو عملية مستمرة. وكمان أشار(ت) أحد/إحدى بناة/بانيات السلام، فإن التغيير الحقيقي يتطلب الوقت والصبر والمشاركة المستمرة -ويمكن للمجتمعات المحلية أن تقود هذه العملية عندها تحظى بالثقة والدعم.

التطلع إلى المستقبل: استدامة السلام الذي تقوده المجتمعات المحلية

مع استمرار المرحلة الانتقالية في سوريا، تظل الحاجة إلى بناء السلام الذي يقوده المجتمع أمرا ملحا. وبناءا على سنوات من بناء الثقة، تتمتع منظمة مبادرون بموقع فريد يتيح لها الحفاظ على الجهود التي تقودها المجتمعات المحلية وتوسيع نطاقها، مع الحفاظ على الملكية المحلية للجهود.

فالمنظمة تتوسع في عملها من خلال تشكيل لجان جديدة، وتعزيز اللجان القائمة وتطوير شبكة وطنية من بناة السلام، إلى جانب رؤية مشتركة مستنيرة محليا للسلام المدني، وإطار عمل متجذر محليا يمكنه توجيه جهود بناء السلام على الصعيد الوطني.

فالمنظمة تتوسع في عملها من خلال تشكيل لجان جديدة، وتعزيز اللجان القائمة وتطويروعلى الرغم من التحديات المستمرة، ظل التزام أعضاء وعضوات لجان السلام المحلية راسخا، حيث واصل العديد منهم/ن عملهم/ن بشكل مستقل بعد انتهاء المشروع. وظلت رسالتهم واضحة: لا يمكن فرض السلام من أعلى – بل يجب بناؤه من الداخل. وحتى بعد سنوات من الصراع، يجد السوريون سبلا للتوحد والبدء من جديد.